التسميات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 7 فبراير 2019

علّمني الفشل


 امضِ ولا ترم إلى الخلف طرفة عين واحدة، دعِ الدنيا تفعل ماتشاء واترك الباقي للقدر.
هي أيامنا ترحل، ونحن كما نحن نجلس متكئين؛ نعدّ كم مرة أهان كبرياءنا الفشل. مَن تبصّر ماضيه يوماً، أيقن أن الفشل ليس إلا مفتاحاًعاجياً لباب الأمل.
في لحظة الذكرى أعدّدت مراسم عدة لتأبين لحظة الفشل الأليم، وعندما علمت معنى لعبته أحببته ,أحببت بيته، رائحة عطره، وربطة عنقه، فلولاه ماعرفت طعم النجاح ,ولم أدرك الطريق إلى الله؛ ذاك الطريق الذي جعل فطرتي الآلوهية تنساب بكل شفافية، وتخبرني أني لست وحيدة
فالله قربي يقويني عند ضعفي، ويدنيني من البسمة لحظة بعدي.
لولاه ما عرفت قيمة أرواح مررت بها في رحلتي الطفولية ,حين اعتقدت أنّ الروح تتساوى مع الجسد، لكنّ الرّوح هي الروح، والجسد ليس إلا الجسد، فإن كان الخالق أراد اجتماعهما، لابد للجسد أن يشكر نعمة الخالق, ويقدّر تواضع الروح  بقبولها أن تسكن فيه.
علّمني الفشل أن أسأل نفسي ألف سؤال, ولا أجيب على أي سؤال.
علّمني أن أقيس مدى صدق التجربة كي لا تكون النتائج إرضاء لغرور الذات، بل ظلّاً لما أريد قوله.
علّمني أن أضمّد جراح مافات بتوقعات لجراح قادمة، فالاحتمالات تنشد كل مرة توقعاً لأسوأ الأمور.
علّمني ألّا أصدق كل ما أسمع، ولا أتأثر لدموع من وقف يوماً أمامي وجعل اسمي خارطة طريقه، لعله قادني لتعميم نظرية طالما حاولت البحث عن منطق لها بين التجارب؛
 "هل حقا" للعين المادية" برهان؟"
علّمتني دموع الفشل أنّ الإحساس يولد بالفطرة، ففيه قوة الشعور بالصعود أوالهبوط،
لمَ أحزن على ماضاع مني بقصد أو دون قصد، فالحزن وتعذيب النفس ليس إلا إنكار للمواقف وتغطية السقوط بحجة أن الطريق متعرج.
علّمني أنّ الحب ليس حروفاً متناثرة، ولا وروداً مزروعة على جانبيّ العين، بل هو حسن الاختيار ,هو وقوف عند أول لقاء بلا كلام ودون صمت , كخيط يظهر لأول مرة ويختفي لآخرها؛ تنسجه يد القدر وتخفيه كي لا يُقطع أو يذبل.
علّمني أن أعيش اللحظة التي أرنو بها نفسي في أي مكان، وقبل الرحيل أن أغسل كلّ ماعلق بي من ذكريات ولحظات كي لا تنزف ذاكرتي يوماً على ذاك المكان.
علّمني الفشل أن أحصي نقاط ضعفي قبل نقاط قوتي، فلولا الأولى ما كانت الثانية ولولا الثانية لما عرفت الأولى.
علّمني أيضا ألّا أحزن على من رحل، لأني بالتأكيد أستحق الأفضل.
علّمني أن أُبكي مقلتي عوض قلبي؛ فبكاء القلب جرح ينزف بأضيق الزوايا ليجعل الدمع يتبخر قبل صعوده إلى العين , أما بكاء العين فهو الرجوع بعد الرحيل، وهو الشعاع الذي سيغسل قلبي ليغدو بستاناً من القمح  يتراقص على أنغام الرجوع.
علّمني أنّ كبريائي هو نصفي الثاني، وهو الآمر عليّ والناهي , أن أصون عرضه في حضرته وفي غيابه.
علّمني أن أكذّب عيني عندما تتحقق بعض أحلامي، ليس نكراناً للجميل, بل مهابة كون ما أراه سحابة صيف عابرة تمطر على أرضي قليلاً ثم تكمل مسيرها.
علّمني أن أرى في الخير شر وفي الشر خير, فالشر قد يقودني إلى بوابة الخير، والخير قد يهويني في قيعان الشر.
علّمني أن أبوح بكل مايختلج في خاطري، أن أقول" أحبك" لمن أحببت، لا ليعلم كم أحببته وأحبّه, بل لتحيا الكلمة عندما تتوقف عروقي عن الصراخ.
علّمني ألّا أطيل الكلام فجلّ تجاربه كانت نتيجة زيادته , أن أتخلى عن طفولتي وأرتدي سبيل النجاة من دهاء هذا الزمن.
علّمني أن أمشي رافعة رأسي بين نعامات التخفي الكاذب، ليس لأن الأرض تحت قدمي تتزلزل, بل لأني جعلت جسدي تراباً ترقد الأرض فوقه.
علّمني أن أبتسم عندما أذكر حروفاً مررت بها أثناء هجرتي للمستقبل, فالاحتفاظ بقيمة الذكرى دليل على قيمة معنى الأمس مقارنة مع اليوم.
علّمني الفشل أن أرى انعكاسي في مرآة الحياة كما هو دون زيادة أو نقصان , فما أعطاني إياه الله من الداخل والخارج أكبر وأجمل من أن أزيده أو أنقصه.
علّمني أن أمشي وأدع القدر يفعل ما يريد, فأنا أمشي وهو يمشي، قد نلتقي يوماً ونصبح أصدقاء طريق، وقد نبقى مدى الحياة نسير دون أن تلمس يدي يديه، ونكتفي بالتقاء خطواتنا على خارطة المسير مع شعور دون يقين أننا سنلتقي يوماً.


صبا حبوش

الثلاثاء، 23 أكتوبر 2018

دعوة إلى الرقص



أتسمع تلك الموجات الصاخبة ؟!
هي تأشيرتنا لدخول أعماق اللاّعقل، اقترب ،هاتِ يدك، أغلق خلفك همسات العقلاء، وعلّق على جبينك "إنّها ليلة للجنون".
 منذ متى لم ترقص بمثل هذا الصخب!، استدر معي، اجعلنا ندور حول أنفسنا دورات متتالية، اخلع حذاءك كي نتساوى في درجة النشوة، فلا معنى للرقص دون خلع الأحذية، أغمض عينيك وحرّك قدميك يميناً وشمالاً ، جدّد في داخلك دورة الحياة، فنحن معاً، نجنّ معاً.
 ارقص ولا تصغِِ إلى تلك الموسيقى، بل انتشِ بصوتِ خفقات قلبك التي تزداد ثانية تلو الأخرى غبطةً لا تعباً، لحظة مثل هذه لن تتكرر ثانيةً تأتيك مرّة في العمر، فافقد فيها كلّ صوابك . حلّق معي في فضاءات التيه، اقرأ لغة كفّيك حول  خصري.


لاتلتفت لمن يختلس النّظر خلف الباب، دعه يختلس ماشاء، لن يضرّنا مايقوله، فليس علينا حرجٌ أو عتب؛ أنسيت أنّا اليوم  من فصيلة المجانين؟!.

 الرقص  ليس إلاّ الجنون، كلاهما يحتاجان لجسدٍ رشيق وعقل أغرقه البعد، فاغرق في بحوره كطفل يتعلم الحبو للمرة الأولى.
 ارتفع قليلاً ثم اهبط ,اجعل جسدك ينحني للهواء، فهذه السعادة لم تُخلق لتُدفن في سكون الحياة,بل لتجعلنا نتمايل كذيل طاووس فوق هضبة خضراء.
 بين ذرّات الهواء المدعوة لحفلة جنوننا، أطلِق يديّ واستدر للخلف، انظر كيف يرقص الكون معنا ، الكلّ يحتفل  بجنوننا، الكون أسعده أنّا لم نعد عقلاء.أرأيت كم من صديقٍ انتظر هذه اللحظة!

ياللخيبة الكبرى لم يدروا أنّا الآن أصبحنا بجنونا عقلاء، اقتلهم  في كل دورة تدروها، مع كل حركةٍ ينبض بها جسدك، ادفنهم في خصلات شعري الليلكي المتناثر في الهواء، مع هسهساتِ أقراطي القرمزية، أغمِض عينيك، و اضحك بصوتٍ مرتفع، مرتفعٍ للغاية، عبّر عن سخطك، وعن فرحك، اكبر قبل وقتك، واصغر بعد كبرك، اشكرِ الإله على نعمة الجنون في لحظة اخترناها بأنفسنا، ارقص بقلبك، بكل شبر فيك، أعلِن عن التصاق قدميك بحضن الأرض.....ارقص ...هاهو الصبح يشاركنا فرحتنا..
 دعنا نطفئ شموع مولدك: "واحد...اثنان...ثلاثة...كلّ رقصة وأنت جنوني ...!

السبت، 15 سبتمبر 2018

ظلّ من حبر..






التقينا والضباب يعتصر الفضاء ،التقينا وفي قلب كلينا رغبة في الخروج عن صمت الذات!
لكنّ عيني لم تقع عليه من قبل، وكذلك عينيه...
ورغم أضواء الشارع المنتحبة بين قطرات المطر,استطعتُ أن أسرق من بعيد بريقَ مقليته ....
وكأني أعرفه منذ سنين،نسيتُ كلّ من حولي ولم يبقَ في المكان سواه!
معطفٌ صوفي طويل وقبعةٌ كلاسيكية أوقفتني دون حراك،أبعدتُ نظراتي عن محيطه وتجاهلتُُْ مالا يمكن تجاهله،وكأنّه سلسلةٌ من المطر راحتْ تفيض أمامي بشيءٍ من الرقود.
هو من كان على صفحاتي فيما مضى حروفاً رسمتْها ذراتُ الحبر الأسود،والآن تحييهِ أمامي ذراتُ تشرينَ.
كيف للحروف أن تصبح واقعاً يمرُّ من يميني لينتشلَ لهفة تحول الحبر إلى جسدٍ تسري فيه الدماء,بينما في ذات المكان جسدٌ تجمّدتْ فيه العروق.
ملامحُ وجهه لم تكنْ بعيدةً عن مخيلتي،كانت تسكنني بكلِّ تفاصيلها ،وتلك الشامة على خدّه الأيسر هي حكاياتي المنسية في صورةٍ دفنتْها الذاكرة..كيف خرج من دفاتري وانتقى صدفةً تشرينيةً للقائِنا،لستُ أدري!
أعدتُ مظلّتي من الماضي، وأطرقتُ ناظري في دوائرَ منبثقة ولدّتها حباتُ المطر دون التفات،ولم أعلم حينها هي التي ولدتْ أم أنا!
ومن تحتِ آفاق المظلّة وقعتْ عيناي على ذات المعطف ،وأحاطني من جديد ذات الإعصار،ولعلّ أطرافها لم تحتملْ هبوب الأعاصير فأبعدتهُا عني، وتركتُ عيني تجاريان مالم تستطع مظلّتي أن تجاريَه!
كان واقفاً أمامي بكلّ مافيه ولكن هذه المرّة كان قريباً جداً ,لم يكن فقط عابر سبيل كما ظننت ، وبصمته الصاخب جعل عينيّ تبوحان بجميع مايريد أن يسمعْ ،للحظة ٍواحدة عدت ُبها من دنياه وأردفتُ نظرةً خاطفة لأضواء الشارع المستحمّة بعيدان المطر!
ثم عدتُ إلى عوالم عينيه ثانيةً ،و صلّيتُ في داخلي لأتناسى ملامحه المغزولة بحبري الأسود،وقبل أن أتمّ تمائمي الأخيرة ضربني إعصار نبراته المألوف : "أين التقينا؟!"
وكيف لي أن أخبرَه عن مكان لقائنا؛ إن كان المكان هو الصفحات البيضاء ،وكيف لي أن أبوح له بسحر نظراته وهي من سحر قلمي ,وكيف أكشف عن صورته المختبئة في عالمي الواسع دوناً عن جميع الصور!
رفعتُ حاجبي ونفيتُ رغماً عنّي ماادّعاه،لكنّه لم يبرحْ مكانه ،وبقيَ كالضائع يبحث عن شيءَ ما ربما أضاعه في وجهي ،تماماً كالأشياء التي كنتُ أبحث عنها في سمرته الليلية!
كان مختلفاً عن كلّ شيء،كالمكان الذي جمعنا ،والشارع الذي أحاط بنا،مختلفاً كالمطر الذي آثار في داخلي رغباتٍ جنونية ،راحت تضرب طفولتي النائمة،لتصحو من سباتها الطويل وترقص تحت قطراتٍ تحررتْ من رحم ديمةٍ مسافرة، لكنّها لم تستطع إلا أن تبقى غافية أمام تلك الخصلات التي عانقها شيبُ الصبا مع أخرياتٍ كحلهنََّ الليل.
استأذنتْه ابتسامتي بعد أن أيقظتْها حبةُ مطر متطفلة كلَّلتْ جبيني الحائر!
ومضيتُ برفقة مظلّتي ،وشيءٌ منّي في الخلف لم يزلْ متلعثماً يدْوي في لحظةٍ جنونيّة جديدة سرقتني فيها قدماي،ورحتُ أجري لأصلَ إليه وألتقي به مجدداً فوق صفحاتي ,وأبوح َله بروعة حلولِ الربيع وسطَ ازدحامِ الشوارع بالمارّة ،و أسياجٍ من المطر استطاع جمعها بحروف مقلتيه.



صبا حبوش